محمد بن جرير الطبري

266

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والمحيي من أردت والمميت ما أردت ومن أردت . إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل . وقوله : ما قدروا الله حق قدره يقول : ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره ، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حق معرفته من قولهم : ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قصر بحقه وهم يريدون تعظيمه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وإن يسلبهم الذباب شيئا . . . إلى آخر الآية ، قال : هذا مثل ضربه الله لآلهتهم . وقرأ : ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه . وقوله : إن الله لقوي يقول : إن الله لقوي على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره . عزيز يقول : منيع في ملكه لا يقدر شئ دونه أن يسلبه من ملكه شيئا ، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب ولا على الامتناع من الذباب إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ) * . يقول تعالى ذكره : الله يختار من الملائكة رسلا كجبريل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه ومن شاء من عباده ومن الناس ، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم . ومعنى الكلام : الله يصطفي من الملائكة رسلا ، ومن الناس أيضا رسلا . وقد قيل : إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون : أنزل عليه الذكر من بيننا ، فقال الله لهم : ذلك إلي وبيدي دون خلقي ، أختار من شئت منهم للرسالة . وقوله : إن الله سميع بصير يقول : إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد ( ص ) ، وما جاء به من عند ربه ، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه . القول في تأويل قوله تعالى :